
بقلم/ محمد فوزي عناني
شهدت وزارة التربية والتعليم خلال الأيام الماضية موجة غضب غير مسبوقة، أعقبت إعلان تطبيق حافز الألف جنيه المخصص للعاملين بالمنظومة التعليمية وفقًا لقرار رئاسي يستهدف دعم المعلمين وتحسين أوضاعهم. وما إن شاع الخبر حتى عمّت حالة من الارتياح بين صفوف المعلمين، قبل أن تنقلب هذه الفرحة سريعًا إلى حالة من الاستياء والاحتقان، بعد أن اتضح أن التطبيق جاء انتقائيًا يستفيد منه فئة محدودة بينما تُستبعد أخرى لا تقل أهمية.
فقد مُنح الحافز للمعلمين المكلفين بجداول حصص مكتملة وللمتصلين بالتدريس المباشر فقط، بينما جرى استبعاد شرائح أساسية داخل المدرسة؛ مثل الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، وأخصائيي التطوير التكنولوجي، وأمناء المكتبات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طالت الاستبعاد أيضًا المعلمين الذين لم يكتمل نصابهم الأسبوعي من الحصص، حتى وإن كانوا يؤدون مهامًا تعليمية وتربوية على مدار اليوم الدراسي داخل الفصول أو خارجها.
هذا القرار أحدث شرخًا واضحًا بين أبناء المهنة الواحدة، وخلق شعورًا قاسيًا بالظلم، خاصة بين الفئات التي تعد ركيزة لا غنى عنها في تهيئة البيئة النفسية والتعليمية داخل المدارس. فالأخصائي الاجتماعي والنفسي ليسا مجرد وظيفة جانبية، بل هما خط الدفاع الأول في مواجهة مشكلات الطلاب النفسية والسلوكية والأسرية، وهما من يعملان على صقل شخصية الطالب وتنمية مواهبه عبر الأنشطة والاتحادات الطلابية التي لطالما حققت إنجازات على مستوى الإدارات والمديريات والجمهورية.
أما أمناء المكتبات، فجهودهم في تنشيط القراءة، وتفعيل مسابقات مثل تحدي القراءة العربي ومسابقات القارئ المتميز، تمثل جزءًا أصيلًا من تشكيل الوعي والثقافة لدى الطلاب. فكيف تُستبعد هذه الفئات من حافز قيل إنه موجه للعاملين بالمدرسة، بينما هم في قلب العمل اليومي مع الطلاب؟
وجاء استبعاد المعلمين غير المكتملي النصاب ليضيف شعورًا آخر بالمرارة، إذ إن كثيرًا منهم يؤدي عمله ومهاما إضافية داخل المدارس، سواء في المتابعة، أو برامج التحصيل، أو الأنشطة، أو الدعم التعليمي والاشراف اليومي وحصص الاحتياطي، مما يجعل دورهم لا يقل أهمية عن دور زملائهم الذين إكتمل نصابهم من الحصص.
لقد ترك هذا القرار أثرًا نفسيًا مؤلمًا لدى العاملين المستبعدين، الذين رأوا فيه تجاهلًا لمكانتهم ورسالة مبطنة بأن دورهم أقل قيمة من غيرهم داخل المنظومة التعليمية. وهنا يبرز سؤال صريح:
لماذا تصر الوزارة على تقسيم بيتها الداخلي وإحداث فجوات بين العاملين بدلاً من توحيد صفوفهم؟
وإن كان الأمر كما بدا للبعض رسالة بعدم الحاجة لجهود هذه الفئات، فإن طرح خيار واضح مثل فتح باب الانتداب لوزارات أخرى قد يكون أرحم من إبقائهم في دائرة التهميش، حتى تتاح لهم فرصة إيجاد بيئة تُقدّر عملهم.
ويبقى الأمل معلقًا على تدخل رئاسي يعيد الأمور إلى نصابها، فالحافز الذي كان يفترض أن يكون دفعة دعم تحول إلى نكبة لدى قطاع كبير من العاملين، وما زال إصلاح هذا الشرخ ممكنًا قبل أن تتسع الفجوة.





